في الثالث من حزيران عام 2016، سُئِلَ وزير التعليم البريطاني (مايكل غوف) عن العدد القليل من الاقتصاديين الذين أيدوا فكرة أن بريطانيا ستكون أفضل حالًا عند خروجها من الاتحاد الأوروبي،  فكان جوابه عن السؤال سهلًا إذ قال:: “إن الشعب البريطاني ضاق ذرعاً من الخبراء”.

بعد هدوء العاصفة وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، انخفض الجنيه الإسترليني الى أدنى مستوى له منذ 35 عامًا، وأضاف السيد غوف أن مؤيدي الحملة المخزية لخروج المملكة من الاتحاد فقدوا النعمة السياسية، وأن الآثار السلبية لوجود “عدد كاف من الخبراء” ستقود بريطانيا نحو انعدام الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للسنوات القادمة.

بدأت بعض البنوك والشركات البريطانية -بما فيها “بنك جي بي مورغان وبنك غولدمان ساكس”- بنقل مكاتبها وفروعها إلى مدن تابعة للاتحاد الأوروبي؛ للاحتفاظ بحقوقهم في العمل بحرية في أوروبا، لأن إغراق السوق بالجنيه الإسترليني المتراجعة قيمته من المحتمل أن يتسبب بانعدام ثقة المستهلك والحد من الإنفاق، على الرغم من قيام مالك بنك إنجلترا (مارك كارني) برهن مبلغ 250 مليار جنيه إسترليني لدعم النظم المالية، مع أن شروط الصفقات التجارية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي هو أمر غير مؤكد؛ وذلك بعد انسحاب بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة بينما يتم التفاوض للاتفاق على القوانين والرسوم الجمركية الجديدة.

يرافق هذا الغموض الاقتصادي تغيرات سياسية وتوتر اجتماعي، وسيتوجب على وزيرة الداخلية، (تيريزا ماي) التي تولت رئاسة الوزراء الجديدة، توحيد المملكة المتحدة، وإصلاح العيوب الهيكلية والحكومية في البلاد، وقد كشف تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي  التصدع الكبير بين المدن الأكثر ازدهارًا، وتلك المدن التي انجرت وراء سياسات وستمنستر، وكذلك على المستوى الكلي بين إنجلترا وآيرلندا الشمالية، وإلى حد كبير بين إنجلترا واسكتلندا؛ بسبب عضوية الاتحاد الأوروبي، ومع كل ما تم ذكره، ثمة تحد آخر يواجه رئيسة الوزراء الجديدة تيريزا ماي، ليس فقط بإعادة توحيد المحافظين في ظل حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي قام بتقسيم الأحزاب، بل بتوحيد المملكة المتحدة، وهي المهمة التي تعهدت السيدة ماي بتحقيقها بالفعل، وقدمت وعوداً بأن الدفاع عن توحيد المملكة ستكون “أولوية رئيسة” بالنسبة لها كرئيسة للوزراء.

في أعقاب هذه التوترات الاقتصادية والسياسية، تضخم التوتر الاجتماعي؛ فقد ارتفعت جرائم الكراهية بنسبة (42%) في إنجلترا وويلز، بعد نتيجة التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث حدثت 3076 حادثة مسجلة في إنجلترا ما بين 16 و30 حزيران، وهو رقم أكبر بنسبة 2161 مقارنة مع  المدة نفسها في عام 2015، وفي الوقت نفسه، فإن الواقع المؤسف لتصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي هو أن العديد من المناطق التي صوتت لمغادرة الاتحاد من المرجح أن تكون الأكثر تضررًا، فعلى سبيل المثال: صوّتت مدينة كورنوال بأغلبية كبيرة بنسبة (56.52%) لمغادرة الاتحاد الأوروبي، وهي واحدة من أكثر المناطق التي تعتمد على دعم الاتحاد الأوروبي بمتوسط 60 مليون جنيه إسترليني في السنة، من قبل برامج الاتحاد الأوروبي، إلا أن اعتماد المملكة المتحدة على التصدير للاتحاد الأوروبي؛ لنمو الناتج المحلي الإجمالي يسمح للاتحاد الأوروبي بأن يكون له السيطرة في تحديد شروط التفاوض، ووفقا لنتائج الاقتراع في كل من ألمانيا وفرنسا والسويد وفنلندا، فإن العديد من دول الاتحاد الأوروبي يعتقدون بأنه لا ينبغي للمملكة المتحدة أن تحصل على أي امتيازات في الصفقات التي ستعقد بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

إن حالة عدم اليقين والشك بعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يكون لمدة قصيرة، فبمجرد أن تطبق السيدة تيريزا ماي المادة 50 فإن عملية خروج بريطانيا من الاتحاد سيستغرق حوالي سنتين، على الرغم من أن سحب ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي هو أمر غير مسبوق وسيكون عملية ضخمة، وما إن تغادر المملكة المتحدة الاتحاد ، فإن ذلك سيسمح للبلد بالانفتاح بشكل مستقل على الدول الأخرى، وقال وزير الأعمال البريطاني ساجد جاويد : أن هناك محادثات أولية لاتزال جارية مع الهند، ووفقاً لمصدر مقرّب من المستشار جورج أوزبورن الذي ذكر أن هناك اجتماعات عقدت مع كبار المسؤولين في الصين في محاولة لبدء المفاوضات التجارية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ولكن ماذا يعني هذا بالنسبة لسياسات المملكة المتحدة التي تجري الآن؟ فعلى الرغم من كون تيريزا ماي واحدة من أكثر السياسيين خبرة في المملكة المتحدة إلا أن السياسة التي تتبعها خارج نطاق دورها كوزيرة للداخلية هو أمر غير معروف، وهو ما قال به مجموعة من السياسيين والصحفيين، فقد ذكر النائب كين كلارك من حزب المحافظين في مقابلة له بإنه “ليس لديه أدنى فكرة” عمّا ستبدو سياستها الخارجية، وأكد المراسل السياسي في البي بي سي فيكي يونج عدم وجود رؤية سياسية واسعة للسيدة ماي، فهي بصفتها وزيرة للداخلية دعمت “زواج المثليين”، وحاربت إجراءات توقيف الشرطة للأشخاص وتفتيشهم؛ بسبب تهميش وتمييز الأقليات، ولكن كان لها موقف متشدد فيما يخص الهجرة، وإن انتماءها المزعوم كسياسية يمينية متشددة سيكون واضحاً عندما تكشف عن خطتها الشاملة فيما يخص مرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الأيام المقبلة.

إن ما له أهمية قصوى ملحة هو وجود تساؤل مفاده: كيف سيؤثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على منطقة الشرق الأوسط؟

كانت سياسة بريطانيا فيما يخص الشرق الأوسط مستقلة إلى حد كبير عن الاتحاد الأوروبي (ولاسيما فيما يتعلق بغزو العراق، والتي عارضتها كل من فرنسا وألمانيا بشدة في عام 2003، فضلًا عن التدخل في الشؤون السورية)، وتوحي سياسة بريطانيا الخارجية بأن التعاون في الشرق الأوسط سيستمر كالمعتاد، ومع ذلك، صرحت اللجنة المشتركة لاستراتيجية الأمن القومي البريطاني بأن تخطيط المراجعة الأمنية -التي تجرى مرة أو مرتين في عقد من الزمن- سوف تبدأ على الفور، والتي من المحتمل أن ينتج عنها تخفيض في ميزانية الدفاع، وسيتبقى لنا أن نراقب فيما إذا ستؤدي هذه التخفيضات في ميزانية الدفاع إلى تحسّن النفوذ البريطاني في الخارج.

-تأثير خروج بريطانيا على علاقة المملكة المتحدة بالعراق بنحو خاص:

على الرغم من كون بريطانيا جزءًا من اتفاقية الشراكة والتعاون الأوروبية مع العراق بهدف تعزيز الروابط وإقامة التجارة والتعاون من خلال الحوار السياسي، فقد أنشأت المملكة المتحدة صلات مستقلة مع العراق، وكمثال حديث على ذلك ، هو قرض المساعدة الاقتصادية المقدم لمحافظة البصرة العراقية في حزيران عام 2016 لحل أزمة المياه، فمن المرجح أن هذه العلاقة لن تتغير كثيراً ، ولاسيما حين النظر إلى التاريخ الحديث بين البلدين ورغبة المملكة المتحدة على مواصلة دعم نمو العراق، وإعادة بناء هيكله، ومع حدوث الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه، فإن لدى العراق فرصة في التفاوض للحصول على المزيد من الفرص الاقتصادية مع المملكة المتحدة التي أصبحت مستقلة عن القيود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، وذلك يتضمن تفاوض العراق مع المملكة المتحدة حول صفقات النفط والغاز، ولاسيما في مصافي البصرة، التي كانت محط اهتمام المملكة المتحدة قبل غزو العراق عام 2003 بحسب ما أظهره تقرير تشيلكوت

ومع ذلك فإن أعظم التحسينات للعلاقات الاقتصادية بين المملكة المتحدة والعراق لن يتم تحقيقها بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بل من طريق فرض العراق تدابير لمكافحة الفساد، وتحسين مستوى الأمن بتحقيق الانتصارات ضد تنظيم داعش الإرهابي، وزيادة الإصلاحات التشريعية، التي أشار لها وفد من المسؤولين العراقيين رفيعي المستوى “بأنه الهدف المستمر الذي نسعى نحو تحقيقه” وذلك خلال زيارتهم للملكة المتحدة في أيلول عام 2015، وهذا من شأنه أن يعزز نطاق هيئة التجارة والاستثمار البريطانية، وهي دائرة رسمية تعمل مع الحكومة العراقية لتحديد العقبات والتغلب عليها  وتعترض أيضا ممارسة الأعمال التجارية في العراق.

إن وجود قواعد معترف بها على أسس المعايير الدولية المتعارف عليها، فأن العراق سيكون في وضع جيد لبناء علاقات أفضل مع المملكة المتحدة ولاسيما من خلال خدمات هيئة التجارة والاستثمار البريطانية، ومن خلال مجلس الوزراء للتجارة المشتركة بين المملكة المتحدة والعراق.

وعلى العكس من ذلك، فإن صفقات تجارية جديدة بين العراق والاتحاد الأوروبي يجب أن يتم الاتفاق عليها عندما تترك المملكة المتحدة السوق الأوروبية الموحدة، وفي معظم الأحوال من غير المرجح أن تتغير العلاقات بين العراق – والاتحاد الأوروبي، إذ سيبقى الاتحاد الشريك التجاري الرئيس للعراق، مع إجمالي حجم التجارة الثنائية التي بلغت قيمتها أكثر من 16.3 مليار جنيه إسترليني في عام 2014، (تمثل واردات النفط 99.6٪ من إجمالي حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي والعراق)، وعلاوة على ذلك، فإن التزام الاتحاد الأوروبي بتقديم المساعدة لإعادة الإعمار والتنمية في العراق من غير المرجح أن تتغير بعد خروج بريطانيا ، لأن استراتيجية الاتحاد الأوروبي في أطر العمل التي حددتها استراتيجية المفوضية الأوروبية في عامي 2004 و 2006  والتي تنص على دعمهم للعراق في الدخول في المجتمع الدولي ستستمر بغض النظر عن علاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي.

أما من الناحية الأمنية، فتواصل المملكة المتحدة أداء  دور أساسي في حلف شمال الأطلسي، كونها شخصية تمثل الاستمرارية، فمن المرجح أن السيدة ماي ستحافظ على التزامها بإنفاق (2%) من الدخل القومي للمملكة المتحدة على الدفاع، واستمرار دور المملكة كدولة رائدة في حلف شمال الأطلسي حتى في ضوء تخفيضات الإنفاق على الدفاع؛ نظرًا للأهمية الملقاة على الدفاع والأمن، وفضلًا عن ذلك، فإن انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي قد يكون مؤشرًا على توثيق العلاقات الاقتصادية والجيوستراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية؛ وذلك من طريق زيادة التجارة وتفعيل اتفاقية الشراكة الاستثمارية عبر الأطلسي، ومن الناحية الأمنية (من طريق توثيق العلاقات مع حلف شمال الأطلسي) ستكون المملكة المتحدة قريبة من الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما العراق.

إن تأثير صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون كبيرًا داخل الممكلة المتحدة، فمع انتهاء انتخابات القيادة في حزب اليمين ، وأخرى على وشك أن تبدأ في حزب اليسار ، سيشهد النظام السياسي في بريطانيا تغيُّرًا على نطاق واسع، وإلى جانب عدم الاستقرار الاقتصادي والتوتر الاجتماعي، يجب على المملكة المتحدة التعامل في بداية الأمر مع التغيرات الداخلية وزعزعة الاستقرار، ونظرًا لعلاقات المملكة المتحدة التأريخية والمعاصرة في العراق، وحجم التجارة العالي بين الاتحاد الأوروبي والعراق، فمن غير المرجح أن تتغير هذه العلاقات في المستقبل القريب، ولكننا نأمل  ألّا يجلب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي  أي انقسامات أخرى داخل الاتحاد لتجنب مضاعفات محتملة في المستقبل.