بيتر بينارت

رئيس الولايات المتحدة الامريكية و منافسيه من حزب الجمهوريين لديهم وجهات نظر مختلفة تماماً حول تهديدات داعش.

تضمن خطاب باراك اوباما حول الإرهابمساء يوم الاحد تناقضاً واضحاً ، اذ جاءت الخطبة لاقناع الشعب الامريكي الذي يخشى بشكل متزايد من التهديدات الإرهابية انه يأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، و لكنه لم يفعل، على الاقل ليس كما يتعامل منافسيه السياسين مع الارهاب.

في خطاب جورج بوش امام الكونغرس بعد تسعة ايام من احداث9/11  رأى إن الحرب ضد الإرهاب الجهادي هو بحد ذاته حرب عالمية ثالثة، اذ اعتبر بوش تنظيم القاعدة بأنه “وريث للايديولوجيات الاجرامية للقرن العشرين.. و انهم يتبعون نهج الفاشية والنازية والشمولية”، ومازال الكثير من الجمهوريين يرون إن “الحرب ضد الارهاب” قائمة على نفس رؤيا جورج بوش. بعد الهجمات التي حصلت في باريس لم يحذر مرشح الرئاسة الامريكي ماركو روبيو، بأن الدولة الاسلامية ستستولي على العراق وسوريا وبلدان اخرى في الشرق الاوسط بل حذر من أنها ستسيطرعلى الولايات المتحدة الامريكية. كما بيّن ايضاً أن امريكا هي في حالة حرب ضد الاشخاص الذين يطمحون الى التخلص من المجتمع الامريكي الحالي واستبداله في المستقبل بمجتمع اسلامي سني راديكالي، يعتبر ماركو روبيو ان الولايات المتحدة و الاسلام الراديكالي قوتان متساويتان ” افتراضياً ” اللتان فيما لو دخلتا في “صراع للحضارات” فان الفوز سيكون من نصيب احدى هذه القوى.

يعارض اوباما تلك الفكرة، فخلافاً لرأي ماركو روبيو، فأنه يظن إن الحركات الجهادية العنيفة ماهي إلا جزء فاسد وصغير داخل الحضارة الاسلامية ولا تمثل الحضارة ذاتها.  وبخلاف بوش، فهو لا يعتبر هذه الحركات الجهادية كمنافس ايديولوجي خطير. اذ اعتقد الكثير عندما كانت الحركة الفاشية والشيوعية في اوجها في الثلاثينيات انها سترفع مستوى المعيشة لعامة الناس بعكس المجتمعات الرأسمالية و الديمقراطية التي كانت معرضة لفترات من الازدهار والانهيار، واما في يومنا هذا فلا يوجد اعتقاد مشابه حول النظام “الاسلامي الراديكالي”. من وجهة نظر اوباما فأن العدو الايديولوجي للرأسمالية الديمقراطية ليس “الاسلام الراديكالي” الذي يتبعه داعش بل النظام الرأسمالي السلطوي المتبع في جمهورية الصين الشعبية.

          بينما يعتقد الجمهوريون بأن قوة داعش تستمر بالتزايد ، فأن اوباما يظن بأن داعش ضعيفة وتزداد ضعفاً. وقد صرح اوباما مساء الاحد بأن “الارهاب” الان  “يتجه نحو عمليات عنف اقل تعقيداً كاطلاق نار بشكل جماعي التي اصبحت شائعة جداً في مجتمعنا”. وبعبارة اخرى فانه من المرجح ان الاعمال الارهابية لداعش هي ذاتها لبعض الجماعات الامريكية في المجتمع الامريكي.

كما أكد أوباما أن داعش تخسر في الشرق الأوسط، إذ ان “الاستراتيجية التي نستخدمها من قصف جوي وإرسال القوات الخاصة، والعمل مع القوات المحلية التي تقاتل لاستعادة السيطرة على بلدهم” سوف تؤدي الى “النصر المستدام “. ولكن الجمهوريين المرشحين للرئاسة يرفضون هذا الرأي، و يعتقدون ان هزيمة داعش تحتاج الى جهد عسكري و ايديولوجي جديد. لكن اوباما يظن بان امريكا بغنى عن فشل أخر وهو أن لا تنجر الولايات المتحدة مرة اخرى الى احتلال البلدان، مما سيسمح لداعش باستغلال وجودنا في تلك البلدان لتجنيد مقاتلين جدد.

“اوباما: القوات ذات البنية القوية ستقود الديمقراطيات الليبرالية للانتصار على اعدائها طالما لا تقوم باعمال ساذجة”

لم يذكر اوباما ذلك بشكل صريح، و لكنه يشير بشكل غير مباشر الى نظرية روبرت بيب التي تنص على ان الدافع القوي للعمليات الارهابية الانتحارية هي ليست نابعة من الفكر الجهادي بل من الاحتلال. بعكس افكار بوش و روبيو ، فان اوباما يعتقد ان داعش ايديولوجياً ضعيف كما يعتقد ان الاستراتيجية الامريكية الحالية سوف تنتصر وتهزم داعش طالما ان الولايات المتحدة لن ترسل قوات احتلال كبيرة للمنطقة التي ستعطي للجهاديين دافع اكبر للقتال.

وفقاً لرأي اوباما فأن على امريكا ان تتجنب الوقوع في خطأ غير مبرر وهو أن لا يُحسب هذا القتال كحرب بين الولايات المتحدة والاسلام ، وهذا ما تطمح اليه داعش. يعوز الكثير من المرشحين الجمهوريين ان عنف الحركات الجهادية نابع من فكر ايدولوجي قوي، و يعتقدون كذلك ان الامريكيين المسلمين هم في خطر التحول الى ارهابين و بناءً على ذلك فعلى الولايات المتحدة مراقبتهم بشكل مكثف. ولكن من ناحية اخرى ، يرى اوباما ان عنف الحركات الجهادية مبني على فكر ضعيف وغير جاذب للناس، فهو يعتقد ان قلة من المسلمين الامريكان سيتبنون تلك الافكار الداعشية الا اذا اشعرتهم الولايات المتحدة بأنهم اعداء في بلدهم و هو بالضبط  مايقوم به دونالد ترامب.

يعد اوباما من احد اتباع الفكر الفوكويامي، نسبة الى فرانسيس فوكوياما صاحب المقالة الشهيرة “نهاية التاريخ” اذ كتب فيها ان القوات ذات البنية القوية ستقود الديمقراطيات الليبرالية للانتصار على اعدائها طالما لا تقوم باعمال ساذجة كاضطهاد المسلمين في اوطانهم او غزو اراضيهم. بينما يظن منافسيه الجمهوريون ان عدوهم المشؤوم و القوي يجتاح امريكا سواء في الخارج (حسب نظرية روبيو) او محلياً (حسب نظرية ترامب). وبالنسبة للجمهوريين فان الامر الذي يعد اكثر رعباً من “الاسلام الراديكالي” هو رباطة الجأش التي يتحلى بها الرئيس الامريكي اوباما التي ظهر بها في خطابه يوم الاحد و كانت سبباً في انزعاجهم.


بيتر بينارت | محرر مساهم في موق الأطلسي ومجلة ناشونال جورنال، وهو أستاذ مشارك في الصحافة والعلوم السياسية في جامعة نيويورك، وكبير الباحثين في مؤسسة أمريكا الجديدة.

المصدر:

http://www.theatlantic.com/international/archive/2015/12/obama-isis-speech-terrorism/419055/