الدكتور ريتشارد هاس

 بعد خمسة وعشرين عاما من غزو العراق للكويت، ولا تزال الدروس المستفادة من حرب الخليج ملحة، حتى في الفوضى التي تسود اليوم في الشرق الأوسط.

 في منتصف تموز في عام 1990، بدأت اجهزة الاستخبارات الاميركية قبلها بعدة أيام بمراقبة صدام حسين وهو يحشد قواته العسكرية على طول الحدود العراقية مع الكويت. اعتقد معظمنا في إدارة الرئيس جورج بوش- كنت آنذاك احد كبار المتخصصين في الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي- أن هذا التصرف اكبر بقليل من ان يكون استعراضاً دبلوماسياً للقوة في نسخته لنهاية القرن العشرين. ظننا بان صدام يحاول الخداع للضغط على جارة الثري والضعيف لخفض انتاجه النفطي.

وكان العراق بحاجة ماسة لأن ترتفع أسعار النفط، نظراً للتكلفة الهائلة للحرب التي دامت ثمان سنوات مع إيران آية الله الخميني، وطموحات صدام نفسه للحصول على السيادة الإقليمية. قدم القادة العرب، من جانبهم، المشورة لإدارة بوش وطالبوه بالتزام الهدوء وترك الأمور تؤول إلى نتيجة سلمية كما كانوا يتوقعون. في أواخر تموز، التقى صدام للمرة الأولى مع أبريل غلاسبي، سفيرة الولايات المتحدة في العراق، وعززت الكابلات والمعلومات التي ارسلتها إلى واشنطن الرأي القائل بأن هذا التصرف لم يكن سوى لانشاء مسرح جيوسياسي.

ولكن بحلول الاول من اغسطس، قبل 25 سنة في مثل هذا الأسبوع، أصبح من الواضح أن صدام كان يحشد قوات عسكرية أكبر بكثير مما يحتاجة لاخافة الكويت. جمع البيت الأبيض على عجل اجتماعاً بين كبار الموظفين من أجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية والدفاع، بعد ساعات من الاحاديث غير الحاسمة، اتفقوا على أن أفضل فرصة لتجنب اي عمل عسكري عراقي سيكون بقيام الرئيس بوش باستدعاء صدام. لقد طلب مني أن اقدم هذه الفكرة لمديري، مستشار الأمن القومي برنت سكوكروفت، وللرئيس.

هرعت الى مكتب الجنرال سكوكروفت الصغير في الجناح الغربي، وقدمت له معلومات عن المداولات التي حدثت، ثم مشينا إلى الجناح الشرقي، قسم السكن في البيت الأبيض (في مقابل جزء العمل في الجهة الاخرى). كان الرئيس بوش يعاني من المرض، حيث اصيب في الكتف بعد ضرب دلو من كرات الغولف. قمت بأطلاعه على أحدث المعلومات الاستخباراتية والدبلوماسية، وكذلك التوصية بأن عليه التواصل مع صدام.

كنا جميعا نشكك في كفائية عمل هذه الخطة، ولكن لن يصيبنا اي ضرر في اي محاولة. تحول الحديث إلى أفضل السبل للوصول إلى الرئيس العراقي، والتي كانت أكثر تعقيدا مما قد يتصور المرء حيث كان الوقت يشير الى 02:00 صباحا يوم الثاني من اب في بغداد.

كنا نراجع الخيارات عندما رن جرس الهاتف. قال روبرت كيميت، وزير الخارجية بالنيابة، أن وزارته تلقت كلمة من السفير الأمريكي في الكويت بأن العراق بدأ غزو الكويت. قال الرئيس بتجهم “هذا كثير من أجل دعوة صدام”.

لم نكن نعرف في ذلك الوقت، إلا أن أول أزمة كبرى في عالم ما بعد الحرب الباردة بدأت. إذا نظرنا إلى الوراء في هذا الصراع، الذي امتد الى السنة التالية، فإننا قد نشعر بوجود الكلاسيكية فيها، على خلاف مع العصرغير الكلاسيكي الذي سيود اليوم في الشرق الأوسط. لكن حرب الخليج لا تزال تستحق الذكر، ليس فقط بسبب ان نتائجها حصلت في حقبة ما بعد الحرب الباردة، والتي اشارت الى بداية جديدة، ولكن لاحتوائها أيضا على عدد من الدروس التي تظل وثيقة الصلة من أي وقت مضى.

اتخذنا غزو صدام للكويت على حين غرة، واستغرق الأمر بضعة أيام لكي تستعيد الإدارة قردتها على التركيز. كان اجتماع مجلس الأمن القومي الأول برئاسة الرئيس في الثاني من آب، في يوم الغزو، مثبطاً للهمم لعدم تمكن مسؤولون على مستوى مجلس الوزراء في الوصول إلى توافق في الآراء بشأن ما يجب القيام به. وقال الرئيس علنا أن التدخل العسكري غير وارد ليجعل الأمور أكثر سوءا. لقد قال هذا بالمعنى الحرفي فقط، وقال أنه من السابق لأوانه البدء في الذهاب في هذا الطريق، ولكن الصحافة فسرت ذلك بأختيار الرد العسكري قد رفع من على الطاولة. لكن لم يكن الامر كذلك.

عندما انتهى الاجتماع، ذهبت الى الجنرال سكوكروفت، الذي بدا قلقاً وغير سعيد مثلي. اتفقنا بسرعة على أن الاجتماع كان كارثيا، وقال انه سيذهب مع الرئيس الى قاعدة سلاح الجو في أسبن، حيث سيلقي الرئيس خطابا مقررا منذ فترة طويلة بشأن الأسلحة النووية ويجتمع مع رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر.

الرئيس جورج بوش والجنرال نورمان شوارزكوف في المملكة العربية السعودية، 22 تشرين الثاني، 1990. تصوير: ‏CORBIS‏ ‏
الرئيس جورج بوش والجنرال نورمان شوارزكوف في المملكة العربية السعودية، 22 تشرين الثاني، 1990. تصوير: ‏CORBIS‏ ‏

طلب مني الجنرال سكوكروفت أن انشئ مذكرة له وللرئيس تحتوي على عدة احداث يمكن ان تقع وكيفية معالجتها، بما في ذلك الرد العسكري بقيادة الولايات المتحدة. عدت إلى مكتبي وكتبتها. “أنا [كما] انتم نعلم مدى تكلفة وخطورة مثل هكذا صراع” كتبت “لكن ذلك سيحدث ايضا اذا ما تم قبول هذا الوضع الجديد. سنصنع وضعاً رهيباً سابقاً، واحداً من شأنه أن يؤدي الى اشعال فتيل نزعات العنف، في عصر ما بعد الحرب الباردة “.
عقد اجتماع مجلس الأمن القومي الثاني عندما عاد الرئيس في اليوم التالي. كان هذا الاجتماع اكثر تركيزا واحسن من الاجتماع الاول غير المكتمل والسيئ. أراد الرئيس أن يقود اجتماعا لاجل ان يوضح أن استجابة الولايات المتحدة لهذه الأزمة لن تكون كالمعتاد، ولكن الجنرال سكوكروفت، ونائب وزير الخارجية لورنس ايغلبرغر ( في مكان جيمس بيكر، الذي كان في سيبيريا مع وزير الخارجية السوفياتي إدوارد شيفاردنادزه ) ووزير الدفاع ديك تشيني اتفقوا على أنه بمجرد تكلم القائد العام ، فإنه سيكون من المستحيل أن يكون هناك تواصل مفتوح وصادق.
وافق الرئيس بتردد على التراجع. بدلا من ذلك، فتح هؤلاء المستشارين الثلاثة الكبار الاجتماع بمناقشة القضية الاستراتيجية والاقتصادية وذلك بأنه لا يمكن السماح لصدام بالافلات من غزو الكويت. لم يعترض أحد على ذلك، وبدا الكل بالتركيز على هذه السياسة القادمة.
في اليوم التالي (السبت 4 آب)، اجتمعت نفس المجموعة (بما في ذلك وزير الخارجية بيكر) في كامب ديفيد لمناقشة مفصلة للخيارات العسكرية، خرج الجنرال كولن باول، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وبعد ذلك أعطى الجنرال نورمان شوارزكوف (الذي أشرف على القيادة المركزية الأمريكية) تقييم مفصل لنقاط القوة والضعف العسكرية العراقية، جنبا إلى جنب مع بعض الأفكار الأولية حول ما يمكن للولايات المتحدة القيام به بسرعة. كان هناك توافق في الآراء حول إدخال القوات الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية لمنع تفاقم الحالة السيئة، ومنع حصول اي شيء اسوء، وردع صدام من مهاجمة جاره الاخر الغني بالنفط. ذهب وفد برئاسة السيد تشيني ونائب مستشار الأمن القومي روبرت غيتس إلى المملكة العربية السعودية لاتخاذ التدابير الملائمة.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على العراق، وجمدت أصول كل من العراق والكويت (في الحالة الأخيرة للتأكد من أنها لن تنهب) ودعى مجلس الأمن الدولي، بما في ذلك الصين والاتحاد السوفياتي، مع حقهما في النقض، إلى الانسحاب الفوري وغير المشروط للقوات العراقية من الكويت. بعد الاجتماع في كامب ديفيد، ذهب الجميع بدون الرئيس الى واشنطن، الذي عاد بعد ظهر اليوم التالي. اتصل بي الجنرال سكوكروفت ليقول لي أنه سيكون غير قادر على التواجد عندما تهبط مروحية الرئيس، وطلب مني ان اطلع الرئيس على ما يجري، قمت بتلخيص ما حدث على عجل في صفحة واحدة، واخذت سترة البحرية، وذهبت الى الحديقة الجنوبية قبل لحظات من وصول الرئيس.

في عملية عاصفة الصحراء، التقى الرئيس جورج بوش في وقت مبكر مع كبار مساعديه، بما في ذلك (من اليسار) مستشار الأمن القومي برنت ‏سكوكروفت، وزير الدفاع ديك تشيني، والجنرال كولن باول، 18 كانون الثاني، 1991. تصوير: ‏CORBIS
في عملية عاصفة الصحراء، التقى الرئيس جورج بوش في وقت مبكر مع كبار مساعديه، بما في ذلك (من اليسار) مستشار الأمن القومي برنت ‏سكوكروفت، وزير الدفاع ديك تشيني، والجنرال كولن باول، 18 كانون الثاني، 1991. تصوير: ‏CORBIS

 في احد المرات على الارض، أومأ الرئيس بوش لي مراراً وقرأ التحديث الخاص بي حول الحالة العسكرية والدبلوماسية، وعبس ونحن متجمعين، لم يكن صدام يظهر أي علامات على التراجع، وكان الرئيس قد تعب من تأكيدات القادة العرب على أنهم سيتمكنوا من القيام بعمل دبلوماسي إذا ما أعطيوا الفرصة. وقد أحبط الرئيس أيضا مع انتقادات الصحافة حول عدم فعل الإدارة لاي شيء يذكر. بعد المناقشة الموجزة التي قمنا بها، كان الرئيس بأنتظار السلك الصحفي بفارغ الصبر في البيت الأبيض، وقال واحدة من العبارات التي لا تنسى في فترة رئاسته: ” لن يقف، هذا العدوان ضد الكويت”.

وهكذا مهد الطريق للأشهر الستة المقبلة، فشلت الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية في طرد صدام، في منتصف كانون الثاني، مهدت عملية درع الصحراء، التي تضمنت نشر 500.000 ألف جندي أمريكي، جنبا إلى جنب مع معداتهم، إلى المنطقة لحماية المملكة العربية السعودية والاستعداد لطرد القوات العراقية من الكويت،وفتح المجال أمام عملية عاصفة الصحراء. لم تفز الإدارة بموافقة الامم المتحدة لمسارها الجريئ فحسب، ولكنها نجحت أيضا بتشكيل تحالف عالمي، امتد من استراليا الى سوريا لدعم الجهد العسكري. في النهاية، استغرق الأمر ستة أسابيع من القوة الجوية وأربعة أيام من الحرب البرية لتحرير الكويت، واستعادة الوضع الذي كان سائداً قبل غزو صدام.

تبدو تلك الأيام بعيدة عن ما نواجهه الآن في الشرق الأوسط، مع الفوضى الظاهرية في معظم المنطقة، وسيطرة المتطرفين على جزء كبير من اراضي المنطقة، لكن حرب الخليج ليست تأريخاً قديماً فقط، حيث ان الدروس المهمة المتعلمة منها لا تزال تستحق نظرة التفات اخرى.

يمكن للعقوبات الاقتصادية ان تؤثر بحدود. فحتى العقوبات الواسعة التي فرضت على العراق بدعم الكثير من دول العالم لم تقنع صدام بإخلاء الكويت- مثلما لم تعمل على أقناع روسيا، أو إيران، أو كوريا الشمالية بعكس السياسات الرئيسية الخاصة بهم في السنوات الأخيرة. وعلاوة على ذلك، تبين العقوبات المفروضة على العراق وكوبا أن العقوبات يمكن أن تؤدي الى نتيجة غير مقصودة من خلال زيادة هيمنة الحكومة على الاقتصاد.

ان الافتراضات أشياء خطرة. تأخرت إدارة جورج بوش (وأنا منهم) في إدراك أن صدام سيغزو الكويت فعلا، وكنا مخطئين ايضا في التفاؤل جداً في توقع أنه لن يكون قادراً على البقاء في سدة الحكم بعد هزيمته في الكويت. بعد ما يزيد على عقد من الزمان من تلك الحرب، أثبتت العديد من الافتراضات التي وضعتها إدارة الرئيس بوش الابن الثانية انها كلفت العراق العديد من الخسائر بشكل رهيب، وكذلك فعل الافتراضات الوردية في وقت لاحق والتى أدلت بها إدارة أوباما بعد الانسحاب من العراق، وتنظيم التدخل المحدود في ليبيا، وتشجيع الاطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك، ودعم تغيير النظام في سوريا.

تحد التعددية من الولايات المتحدة، لكنها قد تسفر عن أرباح كبيرة. تضمن المشاركة الواسعة قدراً من تقاسم الأعباء نتيجة للتبرعات من دول الخليج واليابان، انتهت حرب الخليج بتكاليف قليلة او معدومة من الناحية المالية على الولايات المتحدة ويمكن للتعددية في هذه الحالة، وبدعم من مجلس الأمن الدولي، ان تولد دعماً سياسياً داخل الولايات المتحدة وحول العالم، حيث انه يوفر مصدراً للشرعية في كثير من الأحيان، والتي تكون مفقودة عندما تعمل الولايات المتحدة وحدها.

يمكن حتى للسياسات الناجحة ان يكون لها عواقب سلبية غير متوقعة. ان الانتصار العسكري من جانب واحد في حرب الخليج قد أقنع الآخرين على تجنب شن حروب في ساحات المعارك التقليدية مع الولايات المتحدة، بدلا من ذلك، أصبح الإرهاب في المناطق الحضرية هو النهج المفضل للكثيرين في الشرق الأوسط، في حين اختار أعداء آخرين (مثل كوريا الشمالية) الردع النووي لضمان بقائهم في السلطة.

غالبا ماتكون الأهداف المحدودة حكيمة. قد لا تغير الاهداف الصغيرة الوضع، ولكنها تمتلك ميزة كونها مرغوب بها وقابلة للتنفيذ وبأسعار معقولة. قد تعد الأهداف الطموحة أكثر من ذلك، ولكن تحقيقها قد يكون مستحيلاً، دخلت الولايات المتحدة في مأزق في كوريا في عام 1950 عندما لم تكتفي بتحرير الجنوب، بل سارت شمال خط العرض 38 في محاولة مكلفة وفاشلة لتوحيد شبه الجزيرة بالقوة.

في حرب الخليج، كثيراً ما تم انتقاد الرئيس بوش لحده من أهداف الولايات المتحدة مقارنة مع ما وقعه مجلس الأمن للأمم المتحدة والكونغرس: طرد صدام من الكويت. جادل العديد منهم بأن الهدف ينبغي أن يكون “الذهاب الى بغداد”. ولكن كما تعلمت الولايات المتحدة بالطريقة الصعبة بعد عقد من الزمن في أفغانستان والعراق، فان التخلص من نظام سيء اسهل مقارنة مع بناء نظام بديل أفضل ودائم. في الأراضي الأجنبية، يمكن أن تكون الأهداف المتواضعة طموحة بما فيه الكفاية ويدور الواقع المحلي دائما داخل الطريق الدائري- التجريدي.

ليس هناك بديل لقيادة الولايات المتحدة. لا ينظم العالم نفسه بنفسه، ولا تقوم يد خفية بخلق النظام في السوق الجيوسياسي، أثبتت حرب الخليج أن الامر يتطلب الأخذ باليد المرئية للولايات المتحدة لحشد العمل العالمي. وبالمثل، ليس هناك بديل للقيادة الرئاسية. بالكاد صوت مجلس الشيوخ ضد الذهاب إلى الحرب مع العراق قبل 25 عاما، على الرغم من قيام الولايات المتحدة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي سعى إليها مجلس الشيوخ، كما لا يمكن أن يكون للبلد 535 وزير خارجية أو دفاع إذا ما كان يتمنى أن يقود.

علينا ان نكون حذرين من حروب الاختيار. كانت حرب الخليج عام 1991، على عكس حرب العراق 2003، حرباً ضرورية، حيث كانت مصالح الولايات المتحدة الحيوية على المحك، وبعدما لم تقم العقوبات المتعددة الأطراف والدبلوماسية المكثفة بالوصول الى حل، لم يبق سوى الخيار العسكري. ومن المرجح ان تكون معظم الحروب الأمريكية المستقبلية حروباً اختيارية : سوف تميل المصالح على المحك إلى أن تكون هامة وغير حيوية، أو سيكون لصناع السياسة خيارات اخرى إلى جانب القوة العسكرية. ان اتخاذ مثل هكذا قرارات حول الاستخدام التقديري للقوة سيميل إلى أن يكون أكثر صعوبة بكثير، وسيكلف الدفاع عنها الكثير كما هو الحال في كثير من الأحيان، تداعيات الحرب، واصبحت اكثر كلفة وأقل نجاحاً مما كان متوقع لها.

تحول الأثر التأريخي لحرب الخليج إلى أن يكون أصغر بكثير مما تصور في ذلك الوقت، وخاصه بالنسبة للرئيس بوش، الذي كان يأمل في أن تستهل الحرب عصراً جديداً من التعاون العالمي بعد انهيار الامبراطورية السوفياتية في ذلك الوقت، تمتعت الولايات المتحدة بدرجة تفوق لم تستمر، حيث ساهم صعود الصين، وتحول روسيا الى دولة غربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والابتكار التكنولوجي، والعجز السياسي الأميركي، وحربي الاستنزاف في أعقاب احداث 11/9 في ظهورعالم توزعت السلطة فيه على نطاق أوسع واصبح صنع القرار أكثر لامركزية.

تبدو حرب الخليج اليوم وكأنها شيء من الشذوذ قصيرة وحادة، مع بداية ونهاية واضحة، ومرتكزة على مقاومة العدوان الخارجي وليس بناء الأمة والمحاربة في ميادين القتال بالسلاح جنبا إلى جنب، وليس في المدن من خلال مواجه القوات الخاصة لقوات غير نظامية. الأكثر غرابة من كل ذلك، هو ان الحرب كانت متعددة الأطراف، وغير مكلفة، وناجحة. حتى ان المبادئ التي شنت من أجلها حرب الخليج، الا وهي عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة العسكرية، اصبحت موضع تساؤل مؤخراً وخصوصاً في سلبية المجتمع الدولي في مواجهة العدوان الروسي في أوكرانيا.

تُمثل حرب الخليج امتداد لادراك الاتصال بين أحداث 1990-1991 و الفوضى التي تعم الشرق الأوسط اليوم، فان جميع الأمراض في المنطقة، جنبا إلى جنب مع حرب عام 2003 في العراق، وسوء التعامل مع تداعياتها، والانسحاب اللاحق للقوات الأمريكية من العراق، والتدخل في ليبيا عام 2011، وفشل الولايات المتحدة بالاستمرار في العمل في سوريا، تبين الكثير من الحقائق التي تشرح الفوضى في المنطقة.

كانت حرب الخليج إشارة الى نجاح سياسة امريكا الخارجية، حيث تجنبت و بشكل واضح ما كان يمكن أن يكون نتائجه رهيبة الا وهي ترك صدام يفلت بقيامه بفعل صارخ للاستيلاء على الأراضي وربما السيطرة على جزء كبير من الشرق الأوسط. ولكنه كان انتصاراً قصيراً، ولايمكن أن يكون كما توقعة الرئيس بوش “النظام العالمي الجديد”، ولم يحفظ الشرق الأوسط من نفسه.


 الدكتور ريتشارد هاس |رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك “حرب الضرورة، حرب الاختيار: مذكرات من حربي العراق.”

رابط المصدر :

http://www.wsj.com/articles/desert-storm-the-last-classic-war-1438354990?tesla=y