انتهت الانتخابات التركية بمشاركة 82% من الناخبين وهي أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية التركية، والسبب نجاح أحزاب المعارضة في تحشيد الشارع التركي ضد مشروع تغيير الدستور الذي تبناه حزب العدالة والتنمية من نظام نيابي إلى رئاسي بصلاحيات كبيرة لرئيس الجمهورية.

وجاءت نتائج الانتخابات كالآتي:

اسم الحزب النسبة المئوية عدد المقاعد
حزب العدالة والتنمية 40.86 258
حزب الشعب الجمهوري 24.96 132
الحركة القومية 16.29 80
حزب الشعوب الديمقراطية (الكردي) 13.12 80
مستقلين 4.77 صفر

فشل حزب العدالة في الحصول على الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة مما فاجأ الكثيرين داخل وخارج تركيا، وتبعا لذلك فعليه الدخول في ائتلاف حكومي لتشكيل الحكومة، لذا لحاجة حزب العدالة إلى(276) مقعدا فيما حصل على 258 مقعدا، ومما عقد الأمور على حزب العدالة هو عدم حصول المرشحين المستقلين على أي مقعد ليتمكن السيد (داود أوغلو) من التفاوض معهم.

هذه الانتخابات خرجت بثلاثة أحزاب معارضة مما يعني أن حزب العدالة سيدخل في مفاوضات صعبة لتشكيل الحكومة خلال الخمسة والأربعين يوما القادمة وهي المدة المقررة دستوريا لتشكيل الحكومة. لذا هناك أربعة احتمالات في تشكيل الحكومة القادمة:

الأول – أن يتفق حزب العدالة مع أحد الأحزاب الثلاثة الفائزة وسط حديث يتداوله الإعلاميون الأتراك عن تحالف حزب العدالة مع الحركة القومية.

الثاني –أن يتحالف حزب العدالة مع حزب الشعوب الكردي، حسبما ذكر إعلاميون آخرون من أجل تحقيق مشروع المصالحة التركية الكردية.

الثالث – أن ينجح السيد (داود أوغلو) في اقناع عشرين نائبا من الأحزاب الثلاثة الفائزة  بالانشقاق عن أحزابهم والتحالف مع حزبه، لقاء تنازلات شخصية لهؤلاء النواب المنشقين.

الرابع – أن يتنازل حزب العدالة عن تشكيل الحكومة إذا فشل في تشكيلها ضمن المدة الدستوية المقررة, لصالح حزب الشعب الجمهوري.

وأيا كانت الاحتمالات فإن مشوار تشكيل الحكومة سيكون عسيرا وعلى السيد (داود أوغلو) تقديم الكثير من التنازلات الداخلية والخارجية.

والسؤال الوارد هو، هل يلجأ السيد (أردوغان) إلى انتخابات مبكرة أخرى؟ فيما إذا فشلت جميع الأحزاب في تشكيل الحكومة ضمن 45 يوماً لكل حزب أو سعى هو إلى إفشالها ؟  وخلال هذه المدة تبقى الحكومة الحالية حكومة السيد (داود أوغلو) تدير شؤون البلاد، وخلال ذلك سيستقيل السيد (أردوغان) من رئاسة الجمهورية ويترشح لرئاسة الحكومة عندما تاتي الانتخابات القادمة (المبكرة)، لما يمتاز به (أردوغان) من كاريزما خاصة مؤثرة في الوسط التركي. فقد أوضحت الحملة الدعائية لحزب العدالة، أن شخصية (داود أوغلو) عبر منصات الحديث افتقرت إلى الكاريزما الأردوغانية، مما أثر بشكل واضح على استقطاب الناخبين غير المنتمين إلى جهات سياسية أو فكرية بل والذين  يخضعون للتأثير الدعائي السياسي والاقتصادي.

ما بعد الانتخابات

جاءت نتائج الانتخابات للكرد فوق ما كانوا يتوقعون، وكانت مفاجأة لهم قبل أن تكون لغيرهم، ولعل اتحادهم كأقلية كردية في تركيا ونجاح رئيس حزب الشعوب الديمقراطية السيد (صلاح الدين دميرطاش) في تسويق حزبه إلى الناخب الكردي وبعض المتعاطفين الأتراك مع الكرد، جعل حزبه يحشد الجماهير الكردية ليحصلوا على (80) مقعداً بنسبة (13.12%) بعدما أشارت استطلاعات الرأي أن الكرد قد لا يدخلون البرلمان، لكنهم دخلوها لأول مرة وبقوة متجاوزين العتبة البرلمانية الـ10%. بالنسبة للكرد فانهم اصبحوا قوة لا يستهان بها وسيطلبون تغيير الدستور على وفق رؤاهم القومية وهو أمر من الصعب على السيد (أردوغان) القبول به.

فضلا عن ذلك فإن نتائج الانتخابات أنهت طموحات السيد (رجب طيب أردوغان) في تغيير الدستور من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي ومشروع (تركيا الجديدة) والحصول على صلاحيات كانت من الممكن أن تجعله قادراً على : حل البرلمان، إقالة الحكومة، تقنيين صلاحيات الهيئات القضائية، إلغاء نفوذ الجيش على مؤسسات الدولة، رسم السياسات الداخلية والخارجية، تعيين اعضاء المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، وحظر الأحزاب السياسية.

بعد ثلاثة عشرعاما من الحكومات الأحادية لحزب العدالة وسياسات التنمية الداخلية وسياسات التواصل مع حركات الأخوان المسلمين في الشرق الأوسط  خصوصا في العراق وسوريا ومصر، يبدو أنها ستتأثر بشكل أو بآخر من دخول أي حزب معارض في الحكومة، إذ إن جميع أحزاب المعارضة التركية على علاقة سيئة مع حركات الأخوان المسلمين.

كما أن فشل حزب العدالة في الحصول على الأغلبية لتشكيل الحكومة قد يخلق مشكلات جديدة داخل حزب العدالة نفسه، فاردوغان يميل للتحالف مع الكرد وتشكيل الحكومة بينما يميل (داود أوغلو) للائتلاف مع الحركة القومية. فضلا عن أن القانون الداخلي لحزب العدالة والقاضي بمنع ترشح أي عضو برلماني عن الحزب أكثر من مرتين، جعل الكثيرين من النواب المعروفين الذين يرتبطون بعلاقات جيدة مع الأوساط الجماهيرية للحزب لا يترشحون للانتخابات مما جعل جماهيرهم تصوت لنواب جدد عن الحزب أو يصوتون لآخرين من أحزاب أخرى أقرب لهم اجتماعيا.

والأهم من ذلك، اصطدام كل مشاريع السيد (أردوغان) الخارجية والداخلية بقبول الشريك الجديد في الحكومة، لكن من المحتمل أن يسعى في الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وخلال هذه المدة سيتدهور الاقتصاد التركي والعملة التركية مما سيكون مقنعا للناخب التركي عندما يخرج (أردوغان) بوصفه مرشحا  لرئاسة الحكومة ليقول لهم أن الاقتصاد التركي في ظل حكومة أحادية لحزب العدالة هي الوحيدة التي ستنقذ تركيا.

أما في الوضع السوري والعراقي، فإن جميع أحزاب المعارضة الفائزة تقف ضد مشاريع دعم المعارضة السورية، وتدعم الرئيس السوري (بشار الأسد) وتساند الحكومة العراقية، كما أن أحزاب المعارضة التركية مستاءة من العدد الكبير لللاجئين السوريين وطالبت بسياسة أشد في التعامل معهم، أما في شمال العراق فحزب الشعوب الديمقراطية الكردي الذي يتخذ من السيد عبدالله أوجلان “المسجون” زعيما لكل أكراد تركيا، ويدعم حزب العمال الكردستاني في قتاله ضد تنظيم داعش. وهناك منافسة شديدة بين أنصار (أوجلان) وأنصار السيد (مسعود برزاني) في كردستان العراق على زعامة الكرد، وعليه نجاح كرد تركيا يعد عثرة جديدة في مشروع (أردوغان) في التصالح مع كرد العراق على حساب كرد تركيا.

وأياً كانت الاحتمالات، فقد إنتهى عصر الأحزاب الأحادية في تركيا وعاد زمن الائتلافات الحكومية التركية بما رافقتها من مشكلات  داخلية.